1-حطاب الدشرة كان حكيما:
وهو مقال مكتوب للوكالة الأخبار المستقلة الألكترونية:
حين كتبت قبل سنين عن الصحافة الموريتانية في موسوعة الصحافة العربية، فوجئت بأن عدد الصحف المرخص لها في بلدنا قد بلغ المئات.. ولعله تضاعف اليوم. كانت تلك مفاجأة سارة لمن شهد المخاض العسير لصحيفة أتى عليها حين من الدهر وهي المنبر الوحيد من نوعه في البلد… وكانت "الأخبار" قد وجهت إلى مجموعة من الأسئلة، ولحقت بها "الشعب" فطلبت مني أن أجلي جوانب من تجربة شخصية عشتها، فكانت مخاضا لأول صحيفة يومية في البلد، كلفت برئاسة تحريرها.
لعل إخواني في "الأخبار" وفي صحيفة "الشعب" ذات الواحد والثلاثين ربيعا أرادوا باستكتابي أن يستمرئوا طعم النجاح، وقد حققوا ما لم يحققه الجيل الأول من كشافة الصحافة اليومية.. فليكن لهم ما أرادوا وليهنهم، فجل الأشياء تبدأ صغيرة ثم تكبر..إنهم يقولون بلسان الحال: انظروا كيف أصبحنا.. ولكن الصورة لا تكتمل: ما لم يقل آخرون: أتعلمون كيف كنا؟
وعليه، فإن مشاركتي ستكون، كما طلب مني، محاولة للإجابة على السؤال الأخير، ومن خلاله أجيب عن بعض أسئلة "الأخبار"، باحثا في تلافيف الذاكرة عن تفاصيل صغيرة، في مرحلة مخاض عسيرة، تجربة الفرد فيها صورة على نحو ما من تجربة غيره وجزء من تجربة المجموع.. ولعل في بعض هذه التفاصيل الصغيرة ما يرمز إلى أن الحلم هو الخطوة الأولى على طريق الإنجاز وأن الاستحالة والإمكان هما في الغالب حالات ذهنية، تسقطها النفوس على الواقع خورا في حال وأخذا غلابا في حال. ثم هي هذي طريقتي اليوم في استمراء طعم من طعوم التغيير الذي كنت أحلم به وأتوق إليه مع آخرين.
***
كنا "أشبالا" ـ كما كان يحلو لنا أن نتسمى ـ صغارا، نحمل أحلاما ومطامح كبارا.. كنا، ونحن في البادية، نتسقط أخبار نواكشوط والدولة من الآتين، على قلتهم، من ذلك العالم الافتراضي المدهش. وكنا نسمع الإذاعات ليل نهار، ونراسل عددا كبيرا من الشباب العربي الذين نلتقط عناوينهم من برامج التعارف في الإذاعات.
وأذكر أننا كنا في تلك الفترة نألم لحداثة سننا، بل ونفكر في ادعاء سن أكبر، حتى نتأهل لمراسلة أولئك الذين نلتقط عناوينهم، وكانوا كلهم تقريبا يكبروننا بسنين.. نمت الأحلام، وتعددت المراسلات إلى الإذاعات العربية، وكان شيئا رائعا أن نسمع أسماءنا واسم موريتانيا يتردد في بعض برامج الإذاعات السيارة.
وكان للإذاعة الموريتانية نصيبها من المراسلة.. راسلنا على الخصوص برنامج الشباب الذي كان يعده المرحوم عبد الله بن سيدي محمود وبرنامج "بريد المستمعين" الذي كان يعده دحنا حمود.. لقيت منهما، ومن غيرهما من المذيعين، تشجيعا كبيرا على أمواج الإذاعة، لم ينغص منه إلا اعتذار ورد في بعض الحلقات فحواه أن قراءة خطي قد تعذرت عليهم.. كان ذلك صدمة لي.. وتساءلت هل أن هؤلاء الذين يستحسنون خطي مخطئون أم أنهم إنما يجاملونني، فلا بد أن الإذاعة أدرى بمعايير جمال الخط من غيرها..
ومع ذلك، لم أكن أفهم، بعقلي الصغير، أن تتعذر قراءة خط ولو كان رديئا على مذيع كبير، هو رمز التألق والاقتدار الثقافي في ذهني. لكن الهمة لم تنكسر، واستمرت مراسلة الإذاعات.. وكثرت رسائل الأصدقاء من خارج موريتانيا حتى ضاق الوقت بإدارتها.
وكان آل الشيباني في مدينة القوارب نافذتنا الكبرى على هذا العالم، حيث كان لهم صندوق بريد كنا نقدمه للمراسلين.. وكانت قبلتنا ليلا إلى الجنوب لعلنا نشيم على بعد سنى شاحنة كبيرة تمخر الرمال زحفا إلى القرية، ففي تلك الشاحنة التي لا تزور إلا غبا، كان أهل القرية ينتظرون خبز حياتهم: الأرز والسكر والأسمنت… وكنا ننتظر البريد القادم من عند آل الشيباني: رسائل من أصدقاء، بل وكتبا وصحفا.
وكان بعض القادمين من السنغال يحملون إلينا أيضا بعض الصحف العربية التي يجلبها اللبنانيون هناك.. أعجبتنا ألوان صحيفة "الأحرار" وموضوعاتها، فكتب كاتب منا إلى الصحيفة يشكو وضع بلده ويسترعي انتباه أولي الرحم إليه، ونشرت الصحيفة جزءا من الرسالة، فكان خبرا… كاتبني آنذاك ثلاثة طلبة نابهين من معهد بوتلميت، كان "عبد القادر" أول من لقيت منهم، حين زارني في نواكشوط أول عهدي بالعمل فيها.. ولقيت "المختار" بعد سنين في أحد البيوت.. ولقيت ثالث القوم "سيدي محمد" في زنزانات الهندسة العسكرية. ذهبت السياسة فيما بعد بالثلاثة، وربما بي معهم، طرائق قددا، لكن الحيز الذي يجمعهم كان وما يزال حيز كلمة سواء وموقف قوام أجد فيه نفسي وأطمئن إليه.
عشنا تجربة أصيلة من التواصل، في محضرة العلامة المرحوم لمرابط محمدن بن احويب الله.. هناك سمعت بإعجاب بعض قصائد أخي أحمد الحسن بن الشيخ وسمعت طلاب المحضرة يروون أنه ألقى قصيدة أمام الرئيس الراحل المرحوم المختار بن داداه ضمنها البيت القنبلة الذي لم يبرح ذاكرتي رغم أنها شرود نفور:
إنا لننتقد الذي تسعى له *** من خير ثروتنا لصالح غيرنا
كان ذلك طبعا قبل تأميم ميفرما.. وكم كانت سعادتي غامرة حين زارنا ذات يوم في المحضرة الشاعر الثائر أحمد الحسن، واستمعت إليه بكل جوارحي يقرأ بعض قصائده الناصرية، وسمعت منه (ومن غيره) عن الشاعر الظاهرة أحمد بن عبد القادر، وكان من أول ما حفظت له، مما نسب لي إليه في المحضرة:
ولست بذي عرف وليس بضائع *** لدي مدى الأيام عرف الأوائل
عدت من محضرة الجيران إلى برينه، وأنا أواصل دراستي المحضرية وأبحث عن طريق للتواصل مع العالم.. بل ولتغييره.. كان في رصيدي من قبل قصيدة كتبتها استنهاضا للهمم التي أثخن فيها تكسر النصال على النصال، في النكسة بعد النكبة… هذب القصيدة شيخي العلامة المرحوم محمد عالي بن فتى وتلقاها بعناية كبيرة المرحوم عبد الله الداه بن آبه وذهب بها إلى نواكشوط، وألقاها على أمواج الإذاعة إلقاء كساها رونقا.. وكان علي، وعلى الأشبال، أن نبحث عن سبيل لمواصلة هذا "الإشعاع"..
فكرنا بعقولنا الصغيرة ومطامحنا الكبيرة: لا بد من وسيلة اتصال… بلغنا أن هناك ورقا عجيبا يسمى "الكربون" يسمح بمضاعفة المكتوب.. طلبنا الورق وحصلنا عليه، واختمرت في الذهن فكرة استعمال المنشورات.. ولأول مرة، وقف نفر من الناس يتفرجون على منشور علق ليلا على جدران المدرسة عنوانه: "من تنكر لأصله فلا أصل له"..
لم يكن ذلك المنشور في محله، ولكنه كان يشبع حاجة في نفس كاتبيه.. وكنا نرصد ردود الفعل.. وشاع في أوساط الكبار أن شباب القرية يعارضون الرئيس المختار بن داداه، وكان ذلك أمرا إدا.. احترنا كيف نواجه الموقف.. ثم جاء الحل: نحن على أبواب رمضان.. لندع جماعة المسجد إلى محاضرة يقدمها أحد الشباب حول استثمار الوقت في شهر رمضان..
كنا قد ابتدعنا أسلوبا للطباعة باستخدام قطع من اللدائن نقتطعها من الحقائب القديمة وأحيانا من الأحذية، كما ابتكرنا صناعة يدوية لأغلفة أسميناها أغلفة الهلال (كانت تحمل الهلال مرسوما عليها بتقنية الضغط).. استخدمنا هذه "التكنولوجيا الراقية" في إعداد الدعوات وتغليفها، وتولى ثلاثة من الشباب مهمة توزيع الدعوات على المصلين وهم يخرجون من أبواب الجامع الثلاثة مباشرة بعد صلاة الجمعة.. ولبى الكبار دعوة الشباب..
واستمع المشاييخ إلى تلميذ من تلامذتهم يحاضر أمامهم عن موضوع الشباب أحوج إليه من الشيب.. ونجحت حيلة الشباب في استرضاء الشيوخ بأسلوب غير مباشر، فقد ارتاح الآباء وأثنوا خيرا على أبنائهم، وارتفعت التهمة إلى حين.
ألحت علينا فكرة النشر الإعلامي، فقررنا إصدار صحيفة يتعاون الشباب على تكثيرها باستخدام الكربون.. كانت البداية مع "العروبة" ثم مع "الجماهير" ثم مع "وعي الجماهير" ثم مع "نداء الحق".. وكنا نرمي الصحيفة في البيوت تحت جنح الظلام، وننظم للشباب والفتيات حلقات حول موضوعاتها.. وكانت "نداء الحق" تطورا في عملنا، فقد نجح المرحوم الدكتور محمدن النحوي في طباعة ترويستها بكميات وافرة في دكار وتسريبها في الشاحنات التي تحمل البضائع والسلع التجارية.
كان للصحيفة شعاران: "الحق أحق أن يتبع" و{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض}.
كانت نداء الحق خطوة على طريق الحلم الكبير بممارسة العمل الصحفي.. ولم تلبث أن سنحت زيارة للسنغال.
كانت فرصة لقضاء مآرب روحية ووجدانية ثم لزيارة مكتبة هاشم في دكار.. وفي كولخ بدا للفتى الحالم بممارسة الصحافة أن يذهب إلى دكاكين اللبنانيين في السوق لعله يجد في الحديث معهم بعض طلبته: تعريفا بموريتانيا وتوقا إلى العثور على فرصة ما للكتابة في صفحات جريدة ما.. استمع التاجر اللبناني بشيء من الصبر، يحسبه الغر مثلي أناة واهتماما.
وحين توقف الحديث أخرج التاجر قطعة عشر فرنكات إفريقية (أوقيتين)، ومد بها يده إلى محدثه، فكانت الصدمة، وانسحب الفتى يجر أذيال الخيبة.. كانت الأحلام كبيرة وكان تعاطي الشأن الدنيوي في تلك السن من المحرمات، لا فرق في ذلك بين الأوقية الواحدة والمليون.
ثم سنحت لي فرصة التعارف مع تاجر لبناني يحمل قضية ويكتب شعرا رصينا هو الشاعر منير صالح، فرفعت إليه الشكوى من زميله، ووجدت عنده سلوة، ما لبثت أن تحولت صداقة..لكن فرصة التواصل الكبرى التي وفرها السنغال لم تكن إلا المشاركة في عكاظية المولد النبوي في "مدينة باي".. وكانت أعظم مهرجان للشعر العربي شهدته في ربوع إفريقيا.
هناك تقرر أن أذهب إلى نواكشوط لأحضر، مترشحا حرا، شهادة الإعدادية (ثم البكالوريا) بعد أن خضت خلسة تجربتين غير ناجحتين في الالتحاق بمعهد أبي تلميت.. أعيتني الصغرى فطلبت الكبرى، وحمدت لـ "حطاب الدشره" حكمته، فقد نجحت المغامرة بدون عناء كبير، وبتقدير مريح.
في نواكشوط، حيث حظيت برعاية حانية من الأستاذ محمد يحي بن فتى، وحيث كنت أتردد مكرما على منزل السيد امبكي انجاي، قررت أن أجرب حظي مع الإذاعة التي كنت أراسلها، فجئت أعرض خدماتي.. كنت قد تابعت الحلقات الأخيرة التي أعدها الإذاعي والكاتب الكبير المرحوم خي بابا شياخ من برنامج "صباح الخير".
وكان يعزف بكلماته على أوتار القلوب.. "ركزت كل رجولتي في قبضتي" ـ كما قال ذات يوم أخي العبقري المرحوم جمال بن الحسن ـ وقررت أن أكتب حلقات من برنامج كان ينتجه من يصفه كثر بأنه "أبرز إذاعي في موريتانيا" وجئت إلى الإذاعة بتسع حلقات.. أرسلوني إلى المرحوم محمد الأمين بن آقاط، فاستقبلني بحنان الأب، واستلم الأوراق التي معي وضرب لي موعدا، فلما عدت إليه، قال لي: بإمكانك أن تسجل الحلقات.. وتحقق حلم آخر كنت أحسبه حكرا على العباقرة..
لكن امتحاناتي انتهت ولم يعد لي عذر للإقامة في نواكشوط، فرجعت إلى القرية والمحضرة، ولم تمض سنة حتي أتيح لي أن أعود إلى نواكشوط من جديد.. كان من همي أن أحضر شهادة الثانوية العامة وأن أصل ما انقطع بيني وبين الإذاعة وأن أبحث عن مدخل إلى الصحافة المكتوبة.
عدت إلى الإذاعة، وكان يديرها رجل عصامي رأيت فيه نموذجا يحتذى، هو الأستاذ محمد محمود ودادي، وكان مدير البرامج فيها عصامي آخر، هو الأستاذ الحسن بن مولاي اعلي.. احتضنني الحسن وأسند إلى برنامجين أسبوعيين هما "ضيف الأسبوع" و"من تراثنا الوطني" انضاف إليهما من بعد برنامج ثالث "عالم الأدب".. وكان أخي الحسن يشاركني قراءة مادة البرنامج ويعتني شخصيا باختيار فواصله، بل إنه استضافني في بعض البرامج التي كان يتولى بنفسه إنتاجها.. لكنني لم أصبح موظفا في الإذاعة. وكان علي أن أواصل البحث عن فرصة في قطاع الصحافة المكتوبة.
ذهبت إلى الأمين العام لوزارة الإعلام، وكان يومئذ الأستاذ يحي بن عبدي، فرحب بي وأرسلني إلى "جريدة الشعب" ليختبروني، ووعد ـ إن نجحت ـ بأن بطلب لي مركزا ماليا. ذهبت إلى مقر "الشعب" في قصرها المنيف تحت منصة الاستقلال قبالة ما كان يعرف بالأمانة الدائمة لحزب الشعب. لم أكن، على حداثة عهدي بالبداوة، أتصور أن ما تحت المنصة يصلح للاستعمال البشري إلا أن يكون مخازن صغيرة.. لكنني وجدت مكاتب استقبلني فيها الأستاذ محمد يحظيه بن بريد الليل، وكان مدير الجريدة، والأستاذ محمدن بن حامد ـ أكرم الله نزله ـ وكان رئيس تحرير الصحيفة العربية.
ألقيا علي مجموعة من الأسئلة في الثقافة العامة، يبدو أن إجاباتي عليها، وإن كشفت عن جوانب من جهلي، قد لقيت عندهما قبولا.. لكنهما أخبراني أن الجريدة متوقفة عن الصدور، وتركا الباب مفتوحا. انتظرت وقتا، وكان علي أن أبرر بقائي في نواكشوط أو أغادر.. بلغني أن وزارة التعليم تنوي انتداب عدد من المدرسين.
قدمت إليهم ملفي فقبلت دون اختبار، لكنهم اعترضوا فيما بعد بأنني لا أملك السن القانونية حسب أوراق أعدت بغيابي.. بادرت إلى الجهات المختصة، فـ"صححت" عمري بالزيادة، لكن ما فعلته كان أقرب إلى الحقيقة فلم أجد فيه حرجا.. وقبلت الوزارة الملف ووجهتني إلى المدرسة 6 في نواكشوط.
مر أسبوعان، ودعيت إلى وزارة الإعلام فبشرت بالحصول على مركز مالي، يبدو أنه مركز كان يشغله الأستاذ محمد سعيد ين همدي الذي عين مستشارا في السفارة بالقاهرة.. تنازلت عن عرش جميل رعيته 110 تلميذ (سبعون في الصف الأول و40 في الصف الرابع) واعتذرت للأستاذ محمد بن خطري مدير المدرسة فقبل اعتذاري بأريحية وانصرفت ولم أبحث قط عن القرار الذي يفترض أن يكون قد صدر بتعييني معلما.
دخلت قبو صحيفة الشعب لألتقي هناك مجموعة أخرى من الرجال كان لها دور في تاريخ الإعلام في البلد: محمد بن حمدان، سيدي إبراهيم سيدات، حمود بن الخرشي… آلمني كثيرا قرار فصل الأخوي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ